السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
64
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فقال تعالى : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ في الإمكان والتأتي فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولا يعجزه كثرة ولا يتفاوت بالنسبة اليه الواحد والجمع ، وذكر الخلق مع البعث للدلالة على عدم الفرق بين البدء والعود من حيث السهولة والصعوبة بل لا يتصف فعله بالسهولة والصعوبة . ويشهد لما ذكر إضافة الخلق والبعث إلى ضمير الجمع المخاطب والمراد به الناس ثم تنظيره بالنفس الواحدة ، والمعنى : ليس خلقكم معاشر الناس على كثرتكم ولا بعثكم إلّا كخلق نفس واحدة وبعثها فأنتم على كثرتكم والنفس الواحدة سواء لأنه لو أشكل عليه بعث الجميع على كثرتهم والبعث لجزاء الأعمال فإنما يشكل من جهة الجهل بمختلف أعمالكم على كثرتها واختلاط بعضها ببعض لكنه ليس بجهل شيئا منها لأنه سميع لأقوالكم بصير بأعمالكم وبعبارة أخرى عليم بأعمالكم من طريق المشاهدة . قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الخ ؛ استشهاد لما تقدم في الآية السابقة من علمه بالأعمال بأن التدبير الجاري في نظام الليل والنهار حيث يزيد هذا وينقض ذاك وبالعكس بحسب الفصول المختلفة وبقاع الأرض المتفرقة في نظم ثابت جار على اختلافه ، وكذا التدبير الجاري في الشمس والقمر على اختلاف طلوعهما وغروبهما واختلاف جريانهما ومسيرهما بحسب الحس وكلّ منهما يجري لأجل مسمى ولا اختلاف ولا تشوّش في النظام الدقيق الذي لهما فهذا كله مما يمتنع من غير علم وخبرة من مدبّرها . فالمراد بإيلاج الليل في النهار أخذ الليل في الطول وإشغاله بعض ساعات النهار من قبل وبإيلاج النهار في الليل عكس ذلك ، والمراد بجريان الشمس والقمر المسخرين إلى أجل مسمى انتهاء كل وضع من أوضاعهما إلى وقت محدود مقدّر ثم عودهما إلى بدء فمن شاهد هذا النظام الدقيق الجاري وأمعن فيه لم يشك في أن مدبره إنما يدبره عن علم لا يخالطه جهل